2008

كلمة الدكتور فتحي أبو عرجة/ المدير العام

في حفل تخريج الفوج الثامن عشر

 

         تحتفل مدارسكم هذا العام بمرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسها ، ويعتبر هذا العام لكل الذين عايشوا التجربة حالة من التأمل لمسيرة الانجاز في المجالات التربوية والثقافية والفكرية ، ساهم في صنعها العديد من الرواد من معلمين وإداريين وأولياء أمور وغيرهم .

        لقد حافظت النموذجية العربية عبر الرحلة الممتدة خمسة وعشرين عاماً على تميزها ومكانتها التربوية والتعليمية واستطاعت المساهمة في تطوير العملية التربوية ونقل فكرة المدرسة الفاعلة إلى حيز التطبيق.

         خمسة وعشرون عاماً تكمل دورتها والمدارس تواصل النمو والتطوير والتحديث، وبهذه المناسبة تقرر البدء بتدريس البرنامج الأجنبي لهذا العام، تعزيزاً للانفتاح الممنهج على الحضارات الأخرى واستجابة لمطالبة العديد من أولياء الأمور والمجتمع المحلي.

      واليوم تحتفلون وذويكم وإدارتكم بتخرج الفوج الثامن عشر وبذلك تكونوا الفوج المميز بهذه المناسبة، مناسبة اليوبيل الفضي للمدارس.

        المواضيع التي أريد الحديث فيها واسعة ومتعددة، ولكن الوقت المتاح قيد حاسم، واكتفي بهذه العصارة من الأفكار والرأي والموقف.

        كثر الحديث عن التطور التكنولوجي وضرورة الأخذ به لقياس التقدم في المجتمعات العربية، إن التطور التكنولوجي يظل قاصر الفائدة والفاعلية إذا لم يكن بالإمكان استيعاب التطبيقات المصاحبة له ، وهو أمر لم تستطع الأنظمة والمناهج التعليمية العربية والمحلية من صياغة برامجها على هذا الأساس ، والذي يحصل هو ملء المؤسسات والجامعات والمدارس بالأجهزة المتقدمة دون التحضير والتجهيز المسبق لاستيعابها ، ويطرح مدى استجابة مؤسسة التعليم العربية لمطالب العولمة ويتم ربط الاستجابة لذلك بالتطور التكنولوجي من عدمه .

         إن هذه النظرة تشكل تبسيطاً لموضوع العولمة وأثرها على الأجيال القادمة ، فالعولمة جلبت الفساد والدمار لضمائر الأفراد والجماعات ، وأسست لثقافة أن كل فرد يريد أن يصبح مليونيراً ، وأخرجت لنا القطط السمان وزيادة في الطبقات الفقيرة ، وبرهنت العولمة على أنها المصطلح البديل للرأسمالية المتوحشة والتي لا تعترف بأية حقوق لمن ليسوا من أصحابها أو دعاتها ، وهكذا أوصلت العولمة البشرية إلى حالة من المجاعة العالمية نعيشها اليوم جميعا.

         وفي هذا المجال يحذر د. حامد عمار من أن العولمة وتداعياتها أخذت تكتسح المجتمع العربي سواء بالغزو الفعلي أو التهديد به والاحتلال والضغط الاقتصادي وغيره.

        إن مؤسسة التعليم العربية الواعية الأمينة ،هي وحدها القادرة على أن تقوم بمهمة قيادة مقاومة العولمة وخطاياها ، ومن هنا تنبع أهمية المعلم الممتهن، الملتزم والمقاوم .

        التعليم كالهواء والماء كما قال طه حسين منذ حوالي نصف قرن " إن استمرار زج الطلاب في مراحل التعليم المختلفة في نظام تربوي اثبت مسئوليته عن العديد من القضايا التي مر بها الوطن العربي" ، وبالرغم من ذلك يستمر مسؤولو إعداد المناهج على تبني مناهج هدفها نسخ المعلومات وحفظها بقصد إعادة تفريغها بغض النظر عن نتائجها ، إضافة إلى أنها أنتجت ظاهرة الدروس الخصوصية والتي تتسع دائرتها وتتعمق بحيث تصبح وكأنها جزء من نظام التعليم لا يمكن التراجع عنه أو علاجه .

         أضف إلى ذلك ظاهرة ظهور التعليم الموازي والمتميز ونشوء التعليم المظلل دولياً، ساهم ويساهم في تردي مخرجات النظام التربوي العربي.

        أن التعليم في الوطن العربي في حالة متردية سواء على مستوى المناهج، أو المشرفين على إعداد الخطط والسياسات، أو حتى الدارسين أنفسهم، ناهيك عن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأنظمة الحكم المستبدة التي تجذر القطرية والتبعية والتخلف، مما حدى بمنظمة اليونسكو تحميله مسؤولية الفشل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

          إن التعليم هو المدخل الأساس إلى العلم، وكل الأدبيات توضح لنا أن الأمم والشعوب الحية إنما تقاس بقدر علمها وقيمها وليس بقدر ما تملك من نفط أو سواه ، أن الأمم القوية هي تلك التي تأخذ بالعلم نمطاً وأسلوبا لحياتها  .

          إنني حيث أطالب بتطوير التعليم فأنني أضع المحاور الأربع للتطوير :-

1-   مضمون التعليم .

2-   اساليب التعليم .

3-   شمولية التعليم وعدم قطريته .

4-   شمولية المسؤولية الوطنية وعدم قصرها على وزارة التربية .

          أبنائي الطلبة، الحضور الكريم،

          و أنتم تغادرون حرم المدارس إلى حرم الجامعات فإنني أدعو كل خريج أن يكون المواطن النموذج، الذي يعتز بدينه ووطنه وأمته وأسرته.

         أن يكون قد جهز نفسه لمرحلة الدراسة الجامعية، مرحلة النضج والعطاء، والنضج الفكري والتعليم.

         أن يكون مسلحاً بالقيم الاجتماعية القائمة على الانخراط في العمل العام والعمل الاجتماعي التعاوني وأن يبتعد عن الفردية والأنانية الضيقة.

         أن لا يكون ممن يقفون على رصيف الحياة يستقل القطار المسافر إلى المستقبل ، بل أريد لكل منكم أن يكون ضمن أولئك الذي يقودون القطار ،وان لا يتوقف على محطة قطار التخلف والتجزئة والتبعية ، وان تكون وجهتك نحو مستقبل مشرق يقودك نحو الانعتاق من الظلمة والاستبداد و الغزاة والمحتلين .

        إننا نعيش في عصر ظلمته شديدة وحالكة ، تمنع العديد منا من رؤية واضحة لمصادر قوتنا ونقاط ضعفنا ، بحيث توصل البعض إلى عدم إمكانية هزيمة المشروع الاستيطاني الاحتلالي ، مما جعل البعض يبحث عن أدوات للنجاة والخلاص الفردي، ولو كان ذلك عن طريق الاستسلام والموافقة على التنازل عن الأراضي العربية المحتلة .

        إننا نعي وندرك أن امتنا ليست في أحسن حالها وان الشعوب العربية تتعرض يومياً لإعمال التهميش والتسكين والتخريب والتغريب والتشويه والتيئيس بكل القيم والمبادئ والأخلاق الشريفة، ومع ذلك ستبقى أمتكم تراهن على طاقاتكم وطاقات الشباب الإيمانية الكامنة في هذه الأمة ، والتي بها انتصرنا على كل الغزاة المحتلين .

       إننا نعي وندرك أنه بعد ستين عاماً من إيجاد الكيان الصهيوني لم ينجح في تحقيق الأمن لمستوطنيه ، ولم يعد ذلك الكيان الذي لا يهزم ولم يستطع أن يعلن انتصاره الحاسم على المشروع العربي في رفض وجوده وضرورة جلائه عن الأرض التي احتلها.

       وسنبقى نؤمن ونؤكد أن إسرائيل ظاهرة استيطانية احتلاليه طارئة مصيرها الزوال ولو بعد حين ، وسنبقى نؤمن أن الأمهات من أبناء الوطن العربي قادرات على إنجاب من سيحررون ويوحدون الوطن .

        وسنبقى نؤمن أن لنا حقوقا في كل ذرة تراب على ارض فلسطين وغيرها من الأوطان المحتلة ، وسنظل ننشد لفلسطين العربية من النهر إلى البحر حتى وان بلغت القلوب الحناجر .

       أبنائي الطلبة :-

        إن أبواب المستقبل سوف تفتح لكم إذا دقت بسواعدكم وان النيام لا يفتحون أبواباً ، وإنني على يقين أننا في سنوات قادمة سنرى منكم العلماء والأدباء والشعراء والمربين أمثال طه حسين، عباس العقاد والرازي وعمر المختار وعبد الرحيم محمود  .

        وداعاً أيها الخريجون ، وتحية لأولياء الأمور والهيئات التدريسية والإدارية التي ساهمت بقدر كبير إلى الوصول بكم إلى شاطئ السلامة .

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،

 

 

عودة